حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
274
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما . وإما للاستعانة كما في « كتبت بالقلم » فالمعنى : ولا تجعلوا الحق ملتبسا بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين . وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال ، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [ غافر : 5 ] قيل : ويجوز أن يكون وَتَكْتُمُوا منصوبا بإضمار « أن » ، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو « لا تأكل السمك وتشرب اللبن » . قلت : هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفردا عن الآخر جاز ، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الدهر : 24 ] إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة « من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها » « 1 » والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم ، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضارا أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارا ، والنهي وإن كان خاصا لكنه عام ، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه . ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان ، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي التي عرفتموها بوصف النبي ، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب . وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها ، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده : إني آمرك غدا بشيء فلا بد أن تفعله . ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني . ومعنى الصلاة لغة وشرعا قد تقدم في أول البقرة . وأما الزكاة فهي في اللغة ، الزيادة والنماء ، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه ، ويمكن أن يقال : مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب . قال تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] فإن المخرج يطهر ما بقي من المال . قال صلى اللّه عليه وسلم « عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة . فأما التي في الدنيا فتزيد في
--> ( 1 ) المصدر السابق .